دراسات في الآثار الإجتماعية والسياسية والعسكرية والإقتصادية على الواقع العراقي (1917-1958م)

2018-01-08

دراسات في الآثار الإجتماعية والسياسية والعسكرية والإقتصادية  على الواقع العراقي (1917-1958م)

المؤتمر العلمي السنوي لقسم الدراسات التاريخية


مؤتمر قسم الدراسات التاريخية العلمي السنوي
الذي أُقيم بمناسبة مرور مائة عام على الاحتلال البريطاني لمدينة بغداد (1917-2017م)، وتحت شعار:
دراسات في الآثار الإجتماعية والسياسية والعسكرية والإقتصادية
على الواقع العراقي (1917-1958م)


عَقَد قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة مؤتمره العلمي السنوي بمناسبة مرور مائة عام على الاحتلال البريطاني لمدينة بغداد (1917-2017م)، والذي كان تحت شعار: (دراسات في الآثار الإجتماعية والسياسية والعسكرية والإقتصادية على الواقع العراقي (1917-1958م))، يوم الخميس المُوافق 28/12/2017م، على قاعة المؤتمرات في بيت الحكمة.
افتُتحت أعمال المؤتمر بقراءة سورة الفاتحة على أرواح شهداء العراق، وقراءة القرآن الكريم بصوت القارئ السيد عبد الكريم قاسم (قارئ العتبة الكاظمية المقدسة).
الكلمة الافتتاحية الأولى للمؤتمر ألقاها السيد رئيس مجلس أمناء بيت الحكمة الدكتور إحسان الأمين، الذي أكَّد على أنَّ علم التاريخ بات يكتسب أهميةً كبرى في المستوى العالمي، إذ يتزايد الإدراك في ظلِّ العولمة لأهمية هذا العلم لدى الأُمم والشعوب التي تبذل جهوداً كبيرة في معرفتهِ وسبر أغوارهِ ومواكبة تطوراتهِ. فقد تطورت المنهجية التاريخية بصورةٍ مضطردة خلال العقود الماضية فلم تعد تقتصر مناهج التاريخ على سرد الأحداث فحسب بل تجاوزته لتشمل دراسة النظريات التاريخية وتطبيقاتها المعاصرة والتعامل مع المصادر الأولية. وقد تفرعت تخصصات هذا العِلم لتشمل: التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي والفني، بل إنَّ الدراسات التاريخية المعاصرة قد أصبحت مرتبطةً بتطور باقي العلوم، فكلَّما تطورت العلوم ازدادت الحاجة إلى علم التاريخ ليسرد قصة تطورها ويُحلِّل أحداثها، لذلك فالهدف من علم التاريخ هو: قراءة الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
هذهِ المقدمة التي أتى بها الدكتور الأمين كانت رداً منه على المواقف والآراء التي تقف بالضد من هذا العلم الإنساني المهم، جاعلين منه ليس إلَّا سرداً لوقائع ماضية قد عفا عليها الزمان. ليتطرق بعدها إلى موضوع مهمة إعادة كتابة التاريخ التي رأى بضرورة أن تتصدر الأولوية من جهد الباحثين المُنصفين الذين يهمهم الكشف عن الحقيقة أمام الناس ليعرفوا حقيقة تاريخهم، فلا يكونوا عرضةً لأهواء المُغرضين الذين يهدفون إلى طمس الحقائق وتشويهها بهدف التضليل خدمةً لأغراضٍ دنيئة أو تعصباً لفكرة أو إيديولوجية معيَّنة، لذا يكون لِزاماً على الباحث أن يتجرد للحقيقة أولاً، وأن يتسلَّح لأداء هذهِ المهمة.
ألقى السيد مشرف قسم الدراسات التاريخية الدكتور إسماعيل طه الجابري كلمته الافتتاحية الثانية للمؤتمر، والذي بيَّن أنَّ استذكار الأحداث التاريخية الكبرى إنَّما يأتي لأجل العضة والعِبرة والاستفادة من دروس الماضي في معالجة إشكاليات الحاضر بما يساعد على تجاوزها أو يُجنب تكرارها. ولعلَّ من بين أبرز الدروس المُستوحاة من هذهِ الذكرى هو التلاحم الوطني للعراقيين كلَّما تعرضت بغداد لنكبة، منذ سقوطها على يد هولاكو سنة 1258م، مروراً بالمفاصل التاريخية المهمة كلَّها التي شَهِدت انتكاساتها، وتدمير بُناها التحتية وإرثها الحضاري والفكري، لكنها تنهض من تحت الركام ليشع نورها الحضاري مبدداً الظُلمة، ومختطاً طريقاً جديداً وسط العتمة، مرتكزةً في ذلك على إمكانات شعبها وتلاحم وقت المِحن وأيام الأزمات.
كما أشار إلى أنَّ معظم بحوث هذا المؤتمر قد عكست التلاحم المصيري بين أطياف الشعب العراقي، متحدين الظروف ومؤكدين على أنَّهم شعبٌ واحد مهما تنوعت أطيافهم وتعددت قومياتهم. ليتجسَّد ذلك بشكلٍ واضح في أحداثٍ ومواقف عدَّة على مدى قرنٍ من الزمان بين 1917م و 2017م منذ توحَّد العراقيون عام 1920م لمقاومة الاحتلال البريطاني، لتُعاد الصورة اليوم عند تعرض البلد وبغداد تحديداً لخطر السقوط بيد تنظيم داعش الإرهابي، إذ تناصَّ أبناء الجنوب والوسط للدفاع عن أرض الوطن في الأنبار وصلاح الدين والموصل فذابت بذلك الأُطر المذهبية لتنصهر في بودقة الوطن محققةً نصراً كبيراً أعاد تلك الأجزاء إلى حضن الوطن، ولتُصان بغداد من الغزو والاحتلال كي تظل عصيةً على المِحن.
مبيناً في ختام كلمتهِ أنَّ كثرة عدد البحوث المشاركة في هذا المؤتمر حتَّمت على اللجنة التحضيرية له على انتقاء مجموعةٍ منها للإلقاء مع حفظ كافة الحقوق العلمية للسادة المشاركين.

وقائع الجلسة العلمية الأولى:
رئيس الجلسة: أ.د. جعفر عباس حميدي (رئيس جامعة المصطفى الأمين)
مقرر الجلسة: سلوى محمد جاسم (بيت الحكمة)
الأستاذ الدكتور حازم مجيد أحمد الدوري كان الباحث الأول خلال هذهِ الجلسة العلمية، من خلال بحثهِ الموسوم بـ:(عراقية مدفع الرارنجية البريطاني.. أسطورة وطنية عراقية). مبيناً أنَّ كثيراً هي الأحداث التاريخية التي تجسَّدت فيها الوحدة الوطنية العراقية، لاسيَّما في تاريخنا الحديث والمعاصر، ومن أهمِّ تلك الأحداث ثورة العراق الكبرى عام 1920م ضدَّ الاحتلال البريطاني. وقد تناولت الدراسات والبحوث ثورة شعبنا العراقي عام 1920م بتفصيلٍ وافر وشمولية واسعة تقريباً، إلَّا أنَّ الذي استوقف الباحث وشدَّ اهتمامه إليه، رحلة مدفع الرارنجية البريطاني الذي استولى عليه ثوار الفرات الأوسط بعد انتصارهم على الرتل البريطاني (رتل مانجستر) Manchester Tower، وأهمية تلك الرحلة إنَّما تكمن بالروح الوطنية العراقية المميزة التي أوجدت منه مدفعاً صالحاً للاستعمال بعد أن أفقده البريطانيون خاصية عملهِ في ثلاثِ مواضع منه: المِغلاق والإبرة وعتلة الرمي.
وقد جسَّدت عملية البحث عن تلك الأدوات الروح الوطنية العراقية الرائعة والتي استُكملت بمشاركة أعداد ليست بالقليلة من الضباط العراقيين ومن ألوية (محافظاتٍ) عراقية مختلفة في إصلاح المدفع والمباشرة بعجلة إطلاق القذائف منه، والتي أثرت بشكلٍ كبير على البريطانيين، لاسيَّما بتدمير وإحراق وإغراق الباخرة البريطانية (فاير فلاي) سيئة الصيت في الفرات الأوسط.
قُسِّم البحث إلى ثلاثة فقراتٍ، وكانت كالآتي: أولاً: شيء من ثورة العشرين العراقية. ثانياً: رحلة المدفع. ثالثاً: عراقية المدفع، المتمثلة بالرحلة العراقية الملحمية للقيام بعمليةٍ عراقية وطنية شارك فيها ابن الشمال الكردي وابن الوسط مع إخوانهم الثائرين في الفرات الأوسط وجنوب العراق.
الباحث الثاني كان الأستاذة الدكتورة إنعام مهدي علي السلمان، ببحثها المعنون: (الجنرال ستانلي مود.. ودوره العسكري في العراق في سنوات الحرب العالمية الأولى). حيث أشارت إلى المسيرة العسكرية للقوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى لاحتلال العراق، هذهِ القوات التي نجحت في مسعاها حتَّى وصولها إلى مدينة الكوت حيث أُصيبت بنكسةٍ كبرى بسبب الحصار الذي فُرض عليها، وانتهى باستسلام القوات البريطانية وقائدهم، غير أنَّ اليأس لم يدخل في نفس القوات البريطانية، فقد عهدت القيادة إلى ستانلي مود الذي وضع على عاتقهِ احتلال بقية مدن العراق. ومن هنا بدأ دوره العسكري.
بيَّنت الباحثة أنَّ اختيار ستانلي مود قائداً عاماً للجيش البريطاني في العراق لم يكن محض صُدفة، بل كان لإعتبارات مهمة تمثَّلت بجهودهِ العسكرية التي بذلها أثناء خدمتهِ العسكرية في أوربا، لاسيَّما وأنَّ القيادة البريطانية كانت تحتاج إلى شخصيةٍ عسكرية فذَّة تمحي آثار الهزيمة القاسية التي تلقَّتها القوات البريطانية بقيادة تشارلز طاونزند في معركة كوت الأمارة التي أدت إلى إستسلام أعداد كبيرة من الجنود والضبَّاط البريطانيين إلى القوات العثمانية. وعلى الرغم من المدَّة الزمنية القصيرة التي تسلَّم بها مود القيادة العسكرية، إلَّا أنَّه يُعد من أشهر القادة العسكريين في تاريخ العراق الحديث والمُعاصر، فقد ارتبط أسمه باحتلال بغداد، ومقولته الشهيرة: "جئنا محررين لا فاتحين"، رغم أنَّ الخطاب الذي ألقاه لم يكن موافقاً عليه وفُرض عليه. ويبدو أنَّ الزمن قد فرض حكمه، فقد شاء القدر أن يُدفن مود في المقبرة الإنكليزية في بغداد ليحتضن ترابها جثمان من أحتلها.
الدكتور صلاح خلف مشَّاي وبحثه المعنون: (الاستعمار البريطاني للعراق.. أهمية العراق الإستراتيجية في السياسة البريطانية دور بريطانيا وتأثيرها على تشكيل الحكم الملكي في العراق)، مثَّل المشاركة الثالثة خلال هذهِ الجلسة. والذي أشار إلى أنَّ احتلال الأوطان هو العلامة البارزة في تاريخ الدول الأوربية، تلك الدول التي كانت تَعمد على اختيار فريستها ذات الموقع الإستراتيجي المهم وتعيش حالة من التخلف واليأس، فتَعمد على اتخاذها ذريعةً ومبرر لاحتلالها. وهو بالضبط ما عملته بريطانيا حينما احتلت العراق الذي كان راضخاً تحت الاحتلال العثماني، فوظَّفت كلَّ إمكانياتها المادية والإعلامية تمهيداً لاحتلال ذلك البلد ذا الموقع الإستراتيجي المهم القريب من مُستعمرتها الكبرى في الهند.
وقد عمدت بريطانيا على إشاعة أنَّها قادمة لتحرير العراق، وهدفت من ذلك إلى حشد همم العراقيين ضدَّ السلطات العثمانية وإضعافها في الحرب العالمية الأولى، لكن الذي حصل هو العكس تماماً، فعَمَدت إلى احتلال العراق واستغلالهِ اقتصادياً.
أمَّا هدف الدراسة التي تقدم بها الدكتور مشَّاي، فقد تلخص بإظهار الدور الذي تؤديه الدول الاستعمارية في استغلال الشعوب وإضعافها، وبيان ماهيَّة الخطط التي تتبعها الدول الاستعمارية في احتلال الأوطان، وإظهار أهمية العراق الإستراتيجية ودور بريطانيا في تشكيل الحكم الملكي في العراق. وقد قُسِّمت الدراسة إلى مبحثين، الأول: أهمية العراق الإستراتيجية في السياسة البريطانية، أمَّا المبحث الثاني فتناول دور بريطانيا وتأثيرها على تشكيل الحكم الملكي في العراق.
قدَّم الدكتور صباح كريم رياح الفتلاوي بحثه المعنون: (أهمية العراق الإستراتيجية للسياسة البريطانية.. قراءة في دوافع وتطورات العلاقات البريطانية - العراقية حتَّى عهد الانتداب 1922م) كآخر المشاركين في الجلسة العلمية الأولى من المؤتمر. مبيناً أنَّ التنافس الاستعماري من أجل الحصول على مناطق نفوذ جديدة كان بدأ من القرن السابع عشر وقد عرَّض المنطقة العربية للسيطرة الأجنبية، فالتنافس الفرنسي – الإنكليزي أدى بالأخيرة إلى احتلال مصر 1882م، إلَّا أنَّ هذا التنافس قد تلاشى ظاهرياً بعد أن وجدت هاتان الدولتان ما يُهدد مصالحها بظهور ألمانيا دولةً قوية منافسة لهما، حيث توطَّد الوفاق بين الدولتين والذي ظهرت آثاره خلال الحرب الأولى في توزيعات سايكس – بيكو.
مسلِّطاً الأضواء على دوافع وتطورات العلاقات البريطانية – العراقية حتَّى عهد الانتداب 1922م، من خلال النظرة البريطانية إلى أهمية العراق الإستراتيجية آنذاك. من خلال دراستهِ التي تضمَّنت مقدمة ومبحثين، تناول المبحث الأول بإيجاز علاقة بريطانيا بالعراق وعوامل الاهتمام البريطاني بهِ، بينما تطرق المبحث الثاني إلى أثر الأوضاع الدولية في علاقات بريطانيا بالعراق وعوامل الاهتمام البريطاني بهِ، وجاءت خاتمة الدراسة بأهمِّ الاستنتاجات والخلاصة في تحديد عوامل وتطورات علاقة بريطانيا بالعراق.



وقائع الجلسة العلمية الثانية:
رئيس الجلسة: أ.د. جميل موسى النجَّار (عميد كلِّية التربية الأساسية / الجامعة المستنصرية)
مقرر الجلسة: بثينة هاشم ياسين (بيت الحكمة)
الأستاذ الدكتور كريم مطر حمزة الزبيدي كان الباحث الأول خلال هذهِ الجلسة العلمية، ببحثهِ الموسوم بـ:(واقعة عاكف بك في مدينة الحلَّة قراءة جديدة). الذي حاول من خلالهِ معالجة حالة لجزءٍ مهم من المجتمع العراقي، المجتمع الحلِّي، الذي وقف ضدَّ العثمانيين في عامي (1915-1916م) بعد أن ذاق جورهم لسنواتٍ طويلة متأملاً الحصول على الحرية.
عالج الباحث واقعة عاكف برؤيةٍ جديدة يُقحم بها الاحتلال البريطاني كونه أحد الأسباب المُحركة للواقعة، إذ يبدو أنَّ الأمل الذي بُني على البريطانيين كان من أسباب تعجيل ثورة الحلِّيين على العثمانيين عام 1915م، إذ تُعد واقعة عاكف بك من الأحداث المهمة في تاريخ العراق أثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وهي انعكاس للصراع الدائر بين العثمانيين والبريطانيين في العراق. وللحلِّيين دور في هذهِ الواقعة لعدم قراءتهم الجيدة للأحداث، الذين توقعوا انهياراً سريعاً للعثمانيين أمام القوات البريطانية، فاستعجلوا الثورة عام 1915م. إذ تُبين أحداث الحلَّة عام 1916م مدى قوة الصراع بين المُحتلين العثمانيين والبريطانيين، ومدى تذمر أهالي مدينة الحلَّة خصوصاً من المُحتل القديم العثماني ومحاولتهم التخلص منه مُستعينين بالمُحتل الجديد البريطاني.
قدم الأستاذ الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري بحثه المعنون (الهوية الوطنية لثورة العشرين التحررية في العراق) كثاني المشاركين في هذهِ الجلسة العلمية. إذ أشار إلى أنَّ الكثير من المؤرخين والباحثين، عراقيين وعرباً وأجانب كان قد كتب عن ثورة عام 1920م في العراق. ولمَّا كنا نحتفل بالذكرى (97) لتلك الملحمة الوطنية، والتي تتزامن اليوم مع ملحمةٍ جديدة يخوضها الشعب العراقي في التخلص من تنظيم داعش الإرهابي، والأمل لبناء وطنٍ موحَّد آمن مُستقرٍ مُزدهر، فقد تناول الباحث موضوع ثورة العشرين من هذهِ الزاوية المهمة. مركِّزاً ليس على أسبابها وأحداثها ونتائجها وحسب، ولكن مسلِّطاً الضوء على المناطق التي ساهمت بالثورة، سواء أكانت تلك المشاركات عسكرية قتالية أم فكرية أم تنظيمية، فضلاً عن التركيز على أهمِّ الشخصيات التي ساهمت بشكلٍ فاعل في تلك الثورة سواء أكانوا شخصيات عشائرية أو دينيَّة أو حركة وطنية أو صحافة أو ضباط عثمانيين أو أفندية، وفوق هذا كلهِ حاول ومن خلال المعلومات المتوافرة لديه بيان مشاركات العراقيين بغضِّ النظر عن دينهم ومذهبهم أو قومياتهم ومهما كانت طبيعة تلك المشاركات في توحيد الصف واللُحمة الوطنية.
كما حاول الباحث الاعتماد على عددٍ من المصادر المتنوعة آملاً في عدم إغفال دور أي طرف عراقي، لإيمانهِ أننا نحتاج اليوم إلى التلاحم قبل فوات الأوان، وسوف لن ينفع الندم على طغيان الصراعات التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع، في الوقت الذي تتسابق الأُمم من أجل تقدمها ورخاء شعوبها.
عدَّ الباحث الثالث الدكتور جواد رضا رزوقي السبع من خلال بحثهِ الموسوم بـ: (سياسات الحكومات المُتعاقبة تجاه العشائر وأثرها على المجتمع العراقي (1869-1958م)(، ثالث باحثي هذهِ الجلسة، أنَّ من الأهمية الاستثنائية بمكان لما فيهِ من العِبَر التاريخية التي يمكن الاستفادة منها في الوقت الحاضر لتلافي الكثير من الأخطاء التي وقعت بها الحكومات السابقة في تعاملها مع مشكلة العشائر، ولتشابه الظروف نسبياً بين ما مرَّ بهِ العراق خلال فترة البحث والإفرازات التي نجمت عنه، وبين ما يجري الآن من سياساتٍ متخبِّطة قد تجر العراق ليختبر نفس التجارب التي مرَّ بها فيما مضى، ومن هنا جاء اختياره لهذا الموضوع، إذ قسِّم الباحث بحثه إلى مقدمةٍ وخاتمة وثلاث مباحث رئيسة، تطرق المبحث الأول إلى الظروف التي مرَّ بها العراق والتي أسهمت بعدم استقرارهِ وتدهور مدنه والتجاء أفرادهِ للتمسك بعشائرهم وأعرافهم العشائرية، بينما خُصِّص المبحث الثاني إلى الكشف عن الدور السلبي الذي مارسه السياسيون البريطانيون أثناء فترة الاحتلال (1914-1921م) والفترات اللاحقة، من خلال العمل على إضعاف المؤسَّسات السياسية والاجتماعية العراقية، من خلال إتباع سياسات تمنع تقدم العراق نحو المدنية وبناء مجتمع موحَّد تحت قيادةٍ وطنية مُقتدرة، في حين تناول المبحث الثالث والأخير، سياسة الحكم الملكي تجاه العشائر وأثره على المجتمع العراقي، هذهِ السياسة التي تميَّزت بدورها الإيجابي نسبياً فيما يخص مسألة العشائر للفترة بين 1921م إلى 1939م، والفترة اللاحقة من ثورة مايس 1941م، تحديداً حتَّى عام 1958م.
وقد ركَّز الباحث على الجانب التاريخي للموضوع والكشف بالقدر الممكن عن حقيقةِ أسباب المشكلات العشائرية التي كانت من أبرز ملامح تاريخ العراق الحديث، لاسيَّما في فترة الحكم العثماني للعراق، ونتائج السياسات الخاطئة تجاه العشائر والآثار السلبية التي نجمت عنها على وحدة المجتمع العراقي وتأخير عملية تحديثهِ وتمدينهِ ومواكبتهِ الدول المتقدمة في سائر أنحاء العالم.
آخر المشاركين، الباحث حسن عبيد عيسى ببحثهِ الموسوم بـ: (العراق في حسابات الكبار في مطلع القرن العشرين)، الذي بيَّن أنَّ غزو العراق في مطلع الحرب العالمية الأولى ومن ثمَّ احتلالهِ لم يكن نتيجةً لهجوم تصادفي سريع، أو هجوم عَرَضي، فالاهتمام البريطاني بالعراق كان جزءاً من اهتمام دولي واسع شَمِل كلَّ الدول الكبرى المعروفة وقتذاك، ومنها بريطانيا وروسيا اللتان اهتمتا اهتماماً مباشراً وقوياً بأمر العراق، إضافةً لألمانيا وفرنسا وأمريكا وهي دول كان لها اهتمام محدود وثانوي بالشأن العراقي. فالاهتمام البريطاني والروسي والفرنسي والبرتغالي يمتد إلى مئات السنين قبل اللحظة التي أطلق فيها شاب صربي النار على ولي عهد النمسا ليُشعل برصاصتهِ تلك فتيل الحرب العالمية الأولى. وما يهمنا في هذهِ الورقة هو تاريخ الاهتمام البريطاني بالعراق، والناجم عن أهميتهِ الإستراتيجية من وجهة نظر هذهِ الدولة، التي كانت تسعى للهيمنة على أغلب بقاع الشرق، حتَّى قبل بروز النظريات الإستراتيجية الكبرى المعروفة التي كرَّست التوجه الاستعماري صوب منطقتنا.

وأخيراً، فقد تمَّيز هذا المؤتمر العلمي بحضور كوكبة من أساتذة التاريخ والمفكرين من مختلف الجامعات والمؤسَّسات البحثية العراقية... الذين أغنوا موضوع المؤتمر بمناقشاتهم العلمية. لتُختم أعماله بتوزيع شهاداتٍ تقديرية للسادة الباحثين والمشاركين في وقائع هذا المؤتمر، قدمها السيد رئيس مجلس أمناء بيت الحكمة الدكتور إحسان الأمين والدكتور فلاح حسن الأسدي (رئيس الجامعة المُستنصرية الأسبق) والشيخ عامر البياتي (الناطق الرسمي لدار الإفتاء العراقية).
 

تهيئة الطابعة   العودة الى صفحة تفاصيل الخبر